أراء وأفكار وتحليل

حين قررت الدول إنقاذ أطفالها من الشاشات


بقلم رشيد اخراز جرادة/التحدي الإفريقي

في خطوة إيجابية ، انضمت تركيا وإسبانيا إلى دولة فرنسا في تشديد القيود على استعمال الهواتف المحمولة داخل المؤسسات التعليمية، بل وامتدت الإجراءات إلى بعض الفضاءات العامة كالمطاعم، مع فرض قيود صارمة على ولوج المراهقين والأطفال إلى مواقع التواصل الاجتماعي. القرار ليس نزوة سياسية ولا استعراضًا أخلاقيًا، بل اعتراف رسمي بأن الأمر خرج عن السيطرة.

 

لسنوات، تُرك الأطفال وحدهم في مواجهة خوارزميات لا ترحم، تصنع الإدمان بدقة علمية، وتغذي المقارنات المرضية، وتفتح أبوابًا واسعة أمام العنف الرقمي، والتحرش، والتنمر، والمحتويات الخطرة. النتيجة؟ ارتفاع ملحوظ في مؤشرات القلق والاكتئاب، اضطرابات النوم، ضعف التركيز، تراجع التحصيل الدراسي، وتنامي السلوكيات العدوانية. لم يعد الهاتف مجرد وسيلة تواصل؛ أصبح بيئة كاملة تُعيد تشكيل وعي المراهق بعيدًا عن رقابة الأسرة والمدرسة.

 

داخل الأقسام الدراسية، تحوّل الهاتف إلى منافس شرس للمعلم. شاشة صغيرة قادرة على خطف الانتباه في كل لحظة، وإغراق التلميذ في عالم افتراضي أسرع وأكثر إثارة من أي درس. وفي المطاعم والفضاءات العامة، بات المشهد مألوفًا: أطفال صامتون، رؤوس منحنية، وأصابع تتحرك بلا توقف، فيما الحوار الأسري يحتضر بصمت.

 

الدول التي اتخذت هذه القرارات تدرك أن الحرية الرقمية دون ضوابط ليست تقدمًا، بل مخاطرة بجيل كامل. صحيح أن التكنولوجيا ضرورة، وأن المنع المطلق ليس حلًا دائمًا، لكن التقنين الصارم داخل الفضاءات التربوية يبعث برسالة واضحة: حماية الطفولة أولوية تتقدم على أرباح شركات التكنولوجيا.

 

الرهان اليوم ليس فقط على المنع، بل على بناء تربية رقمية واعية، تعلّم الأطفال كيف يستخدمون التكنولوجيا بدل أن تُستخدم ضدهم. فالمعركة لم تعد بين قديم وحديث، بل بين مجتمع يضع صحة أطفاله النفسية والسلوكية فوق كل اعتبار، وآخر يتركهم فريسة لشاشة لا تنام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى