أراء وأفكار وتحليل
حينما تقاس الحرية بلون العلم

بقلم: سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي
في مفارقة تثير الاستغراب وتفتح أبواب الأسئلة على مصاريعها، تتناقل الأوساط الإعلامية والحقوقية أخبارًا عن منع احتفالات المغاربة في فرنسا، وفرض غرامة مالية قدرها 135 يورو على كل من يحمل العلم الوطني المغربي في الفضاء العام. مشهد يختزل تناقضًا صارخًا بين الشعارات المرفوعة حول الحرية والتعددية، والممارسات التي توحي بعكس ذلك تمامًا.
فرنسا، التي طالما قدّمت نفسها بوصفها مهد الحريات وموطن “حقوق الإنسان”، تجد نفسها اليوم في مواجهة اختبار أخلاقي حقيقي. كيف يمكن لدولة تتغنى بحرية التعبير أن تضيق صدرًا برمز وطني لا يحمل في طياته سوى معاني الانتماء والفرح المشروع؟ وأي خطر يمكن أن يشكله علم يرفرف في يد مواطن أو مهاجر يحتفل بإنجاز أو مناسبة وطنية تخص بلده الأم؟
الأكثر إثارة للانتباه في هذا السياق، هو ذلك الخطاب النخبوي الذي لا يزال يربط الثقافة والوعي بالتحدث بلغة أجنبية، وعلى وجه التحديد اللغة الفرنسية. فكثيرًا ما يُخيّل للبعض أن من يتشدق بكلمات فرنسية، ولو كانت خاوية من المعنى، يُصنّف تلقائيًا ضمن دائرة “المثقفين” أو “النخبة”. وكأن الثقافة بطاقة لغوية، أو امتياز يمنح لمن يتخلى عن لغته وهويته لصالح لسان آخر.
إن هذه النظرة الاختزالية لا تقل خطورة عن منع الأعلام والاحتفالات. فهي تكرّس شعورًا بالدونية الثقافية، وتغذي وهمًا قديمًا مفاده أن الاعتراف لا يأتي إلا عبر بوابة الآخر، وباللغة التي يختارها هو. في حين أن الثقافة الحقة تُقاس بعمق الفكرة، ونزاهة الموقف، والقدرة على النقد الواعي، لا باللغة التي تُصاغ بها الجملة.
الاحتفال بالوطن، أيّ وطن، حق إنساني مشروع، ما دام يتم في إطار سلمي يحترم القوانين العامة. أما تحويل الرموز الوطنية إلى مادة للغرامات والعقوبات، فهو انزلاق خطير نحو تضييق الفضاء العام، وتغذية مشاعر الإقصاء بدل الاندماج.



