هنا تحديداً يواجه سرد خوان كارلوس الأول تناقضه الأعمق. فهو يؤكد في مذكراته أنّه كان، منذ عام 1969، يفكر في ديمقراطية إسبانيا. يروي أنّ صباح الثالث والعشرين من يوليو، وقبل أن يؤدي القسم بالولاء لقوانين النظام الفرانكوي أمام الكورتيس، اتصل بقلق بأستاذه توركواتو فيرنانديث-ميرندا. كان يخشى، كما يقول، أن يضطر مستقبلاً إلى التراجع عن قسمه. «كنت أعلم منذ ذلك الحين، في عام 1969، أنّني عندما أصل إلى السلطة لن أحافظ على ذلك النظام كما هو، بل سأعدّل مؤسساته ».
طمأنه فيرنانديث-ميرندا بعبارته الشهيرة: «يمكنكم الانتقال من قانون إلى قانون عبر القانون نفسه». كانت تلك الصيغة السحرية التي ستُعرف لاحقاً باعتبارها الأساس النظري للانتقال السياسي الإسباني: إصلاح النظام من داخله، باستخدام أدواته القانونية. يقدّم خوان كارلوس هذه اللحظة دليلاً على أنه كان ديمقراطياً سرياً منذ البداية.
لكن إذا كان قد فكّر فعلاً في الديمقراطية منذ 1969، فكيف نفسّر إشاداته المتكررة بفرانكو؟ وكيف نفهم أنّه لم يسمح لأحد بانتقاد الدكتاتور أمامه؟ وكيف يمكن التوفيق بين ادعاء الرغبة في التغيير وبين الامتنان العلني للنظام الذي صنعه؟ أبسط الإجابات، وإن كانت الأكثر إزعاجاً، هي أنّه لم يكن هناك تناقض في ذلك الوقت؛ لأنّ النية الديمقراطية لم تكن قد تبلورت بعد. كان هناك طموح سياسي، وربما براغماتية واضحة، لكن ليس بالضرورة التزاماً ديمقراطياً واضح المعالم.
لقد تمتع خوان كارلوس سنوات طويلة بامتيازات النظام. عاش في لا ثارثويلا، كوّن أسرته داخل فضاء السلطة الفرانكوية، مثّل الدولة في مناسبات رسمية، وسافر بوصفه مبعوثاً للنظام. لا توجد دلائل على أنّه تواصل مع المعارضة الديمقراطية السرية أو خطط لإسقاط النظام من الداخل. إنّ «روحه الديمقراطية»، كما يوحي النص، لم تتجسد فعلياً إلا بعد وفاة فرانكو، حين وجد نفسه أمام خيارين حاسمين: استمرار الديكتاتورية أو فتح الطريق نحو التغيير.
في تلك الفترة، لم تكن المعارضة الديمقراطية ترى فيه حليفاً. كان، في أحسن الأحوال، لغزاً غامضاً، وفي أسوئها ضمانة لاستمرار الفرانكوية. سانتياغو كارّيو، زعيم الحزب الشيوعي، أطلق عليه لقب «خوان كارلوس القصير العمر»، معتقداً أنّه لن يبقى طويلاً. الاشتراكيون بدورهم نظروا إليه بريبة عميقة. ولم تبدأ الثقة الفعلية إلا عندما تحوّلت الأفعال إلى حقائق ملموسة: تعيين أدولفو سواريث، تقنين الحزب الشيوعي، ثم المصادقة على الدستور.
دون خوان: الديمقراطي المنسي
الشخصية التي تدفع ثمن هذا السرد هي دون خوان، كونت برشلونة. في الكتاب يظهر الأب كشخصية ثانوية، تكاد تكون عقبة تم تجاوزها. غير أنّ الحقيقة التاريخية أكثر تعقيداً. فقد كان دون خوان، بالنسبة لكثيرين، الملكي الديمقراطي الحقيقي. هو الذي أصدر بيان لوزان سنة 1945 معارضاً حكم فرانكو، وهو الذي حافظ على اتصالات مع قوى المعارضة خلال سنوات المنفى الطويلة، وهو الذي تنازل في نهاية المطاف عن حقوقه في العرش عام 1977 لتسهيل الانتقال السياسي.
يكتب خوان كارلوس: «أصبح والدي أفضل مستشاري، ودعمي الأكثر وفاءً». غير أنّ هذا الاعتراف يبدو متأخراً ومحدوداً إذا ما قورن بتضحيات الأب. فقد توفي دون خوان سنة 1993 من دون أن يعتلي العرش قط، رغم أنّ دوره في تمهيد الطريق نحو ملكية دستورية كان أساسياً.
تقلّل المذكرات من حضوره، في مقابل تضخيم دور خوان كارلوس نفسه. وهو ما ينسجم مع استراتيجية سردية واضحة: بناء صورة الأمير صاحب الرؤية الذي كان يخطط للديمقراطية منذ البداية. لكن القراءة الأخرى تبدو أكثر بساطة: لقد كان وريثاً صاغه النظام، ثم اختار التكيّف مع الظروف الجديدة بعد وفاة الدكتاتور. لم يكن متآمراً ضد الفرانكوية، بل رجل دولة براغماتياً عرف كيف يقرأ اللحظة التاريخية.
هذه البراغماتية — يجب الاعتراف — كانت حاسمة في نجاح الانتقال الديمقراطي. فلو اختار الملك الشاب آنذاك الحفاظ على النظام القديم، ربما كانت إسبانيا قد سلكت مساراً مختلفاً. غير أنّ تحويله إلى «ديمقراطي متخفٍّ» منذ شبابه، كما توحي بعض صفحات المذكرات، يظل إعادة صياغة للتاريخ أكثر منه وصفاً دقيقاً له. والمفارقة أن النص نفسه يقدّم الأدلة التي تنقض هذا التصور.
خلاصة المرحلة
تكشف هذه المرحلة من المذكرات صورة مركبة لخوان كارلوس الأول: ليس بطلاً سرياً للديمقراطية، ولا مجرد أداة في يد فرانكو، بل شخصية تشكلت داخل نظام سلطوي ثم اضطرت إلى إعادة تعريف نفسها مع تغير الظروف. إنّ غموضه لم يكن قناعاً سياسياً بقدر ما كان انعكاساً لمسار شخصي وتاريخي معقّد.
لقد كان استمرارياً استطاع أن يتكيّف، لا ثائراً متخفياً. وهذه القدرة على التكيف هي التي ستصبح لاحقاً مفتاح فهم الانتقال الإسباني كله. غير أنّ السؤال يبقى مفتوحاً: هل كان الأمر نتاج قناعة عميقة أم استجابة ذكية لموازين القوة الجديدة؟
في نهاية المطاف، تبدو المذكرات — من دون قصد ربما — أقل دفاعاً عن صاحبها مما هي شهادة على تعقيدات السلطة والشرعية في إسبانيا القرن العشرين. فبين فرانكو والديمقراطية، لم يكن المسار مستقيماً، بل مليئاً بالترددات والتسويات والاختيارات الرمادية.